السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قبل ابدا بنسخ الفصل السابع من كتاب المفصل بتاريخ العرب
ولمعرفتي الجيدة بالعقلية العربية لابد ان اوضح شي مهم وهو
طريقة المؤرخ العراقي جواد العلي ومنهجة أو مايسمى رانكويا
الدكتور جواد علي مؤرخا رانكويا نسبة إلى المؤرخ الألماني
ليوبولد فون رانكة والذي يقول إن وظيفة المؤرخ أن يعيد تشكيل
الحدث التاريخي كما وقع بالضبط.
وبشان منهجه هذا فان صديقنا الأستاذ حميد المطبعي
اجرى معه في مجلة
أفاق عربية (السنة 3 ،العدد 1 ,آذار 1978 ) حوارا قال فيه
إن ثمة مشاكل تعترض المؤرخ منها مشكلة الرجوع
إلى المصادر الحقيقية ومشكلة المؤلفات القديمة باللغات المختلفة
ومشكلة تشتت المصادر وتبعثرها.
ويعيب الدكتور جواد علي على المؤرخين أخذهم بالعموميات
بدلا من اعتماد المنهج العلمي ويضيف إن على المؤرخ
أن يدرس التاريخ وفقا للظروف والحوادث التي وقعت
وليس كما هو الحاضر ويحذر المؤرخين من تدخل العواطف
وتحكم المذهبية واصطباغ التاريخ بصبغة عقائدية ويقول يقتضي
على المؤرخ ليكون تاريخه علميا منزها تجنيب نفسه المذهبية
المتزمتة وعليه نقد الروايات نقدا علميا محايدا .
ويضيف ثم يقوم بربط الأخبار بعضها ببعض، وشد اجزائها شدا
محكما بأسلوب يتناول كل الوجوه واعتبار التاريخ تاريخ بشر
وهو حكم وسياسة والسياسة سياسة في كل وقت ومكان
ولن يختلف فيها إنسان عن إنسان .
أنتهى الاقتباس
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
الفصل السابع
طبيعة العقلية العربية
لكل أمة عقلية خاصة بها تظهر في تعامل أفرادها بعضهم مع
بعض وفي تعامل تلك الأمة مع الأمم الأخرى كما أن لكل أمة
نفسية تميزها عن نفسيات الأمم الأخرى وشخصية تمثل تلك
الأمة وملامح تكون غالبة على أكثر أفرادها تجلها سمة لتلك
الأمة تجزها عن سمات الأمم الأخرى.
والعرب مثل غيرهم من الناس لهم ملامح امتازوا بها عن غيرهم
وعقلية خاصة بهم ولهم شمائل عرفوا واشتهروا بها
بين أمم العالم ونحن هنا نحاول التعرف على عقلية العربي
وعلى ملامحه قبل الإسلام أي قبل اندماجه واختلاطه اختلاطا
شديدا بالأمم الأخرى وهو ما وقع وحدث في الإسلام .
ولابن خلدون رأي معروف في العرب خلاصته :
إن العربي متوحش نهاب سلاب إذا أخضع مملكة أسرع
أليها الخراب يصعب انقياده لرئيس لا يجيد صناعة
ولا يحسن علما ولا عنده استعداد للإجادة فيهما سليم الطباع
مستعد للخير شجاع وتجد آراءه هذه مدونة في مقدمته
الشهيرة لكتابه العام في التاريخ.
وقد رمى بعض المستشرقين العرب بالمادية وبصفات
أخرى فقال "أوليري":
إن العربي الذي يعد مثلا أو نموذجا مادي ينظر إلى الأشياء
نظرة مادية وضيعة ولا يقومها إلا بحسب ما تنتج من نفع يتملك
الطمع مشاعره وليس لديه مجال للخيال ولا للعواطف لا يميل
كثيرا إلى دين ولا يكترث بشيء إلا بقدر ما ينتجه من فائدة
عملية يملؤه الشعور بكرامته الشخصية حتى ليثور على كل شكل
من أشكال السلطة وحتى ليتوقع منه سيد قبيلته وقائده
في الحروب الحسد والبغض والخيانة من أول يوم اختير للسيادة
عليه ولو كان صديقا حميم له من قبل من أحسن أليه كان موضع
نقمته لأن الإحسان يثير فيه شعورا بالخضوع وضعف المنزلة
وأن عليه واجبا لمن أحسن.
يقول لامانس "إن العربي نموذج الديمقراطية" ولكنها ديمقراطية
مبالغ فيها إلى حد بعيد وإن ثورته على كل سلطة تحاول
أن تحدد من حريته ولو كانت في مصلحته هي السر الذي يفسر
لنا سلسلة الجرائم والخيانات التي شغلت أكبر جزء في تأريخ
العرب وجهل هذا السر هو الذي قاد الأوروبيين في أيامنا هذه
إلى كثير من الأخطاء وحملهم كثيرا من الضحايا كان يمكنهم
الاستغناء عنها وصعوبة قيادة العرب وعدم خضوعهم للسلطة
هي التي تحول بينهم وبين سيرهم في سبيل الحضارة
الغربية ويبلغ حب العربي لحريته مبلغا كبيرا حتى إذا حاولت
ان تحدها أو تنقص من أطرافها هاج كأنه وحش في قفص
وثار ثورة جنونية لتحطيم أغلاله والعودة إلى حريته.
ولكن العربي من ناحية أخرى مخلص مطيع لتقاليد قبيلته
كريم يؤدي واجبات الضيافة والمحالفة في الحروب كما يؤدي
واجبات الصداقة مخلصا في أدائها بحسب ما رسمه العرف
وعلى العموم فالذي يظهر لي أن هذه الصفات والخصائص أقرب
أن تعد صفات وخصائص لهذا الطورمن النشوء
الاجتماعي عامة من أن تعد صفات خاصة لشعب معين حتى
إذا قر العرب وعاشوا عيشة زرعية مثلا تعدلت هذه العقلية.
ويوافق المستشرق "براون أولري" في رمي العرب بالمادية
المفرطة ورماهم "أوليري" أيضا بضعف الخيال وجمود العواطف
أما "دوزي" فقدرأى أن بين العرب اختلافا في العقلية وفي النفسية
وأن القحطانيين يختلفون في النفسية عن نفسية العدنانيين.
وقد تعرض أحمد أمين في الجزء الأول
من "فجر الاسلام" للعقلية العربية وأورد رأي الشعوبيين
في العرب ثم رأي "ابن خلدون" فيهم وتكلم على وصف
المستشرق "أوليري" لتلك العقلية ثم ناقش تلك الآراء
وأبان رأيه فيها وذلك في الفصل الثالث من هذا الجزء
وتحدث في الفصل الرابع عن
"الحياة العقلية للعرب في الجاهلية"
وخصص الفصل الخامس ب "مظاهر الحياة العقلية" وتتجلى
عنده في : اللغة والشعر والمثل والقصص.
أوجز "أحمد أمن" في بداية الفصل الثالث آراء المذكورين
في العرب وبعد أن انتهى من عرضها وتلخيصها ناقشها بقوله:
لسنا نعتقد تقديس العرب ولا نعبا بمثل هذا النوع من القول الذي
يمجدهم ويصفهم بكل كمال وينزههم عن كل نقص لأن هذا النمط
من القول ليس نمط البحث العلمي إنما نعتقد أن العرب شعب
ككل الشعوب له ميزاته وفيه عيوبه وهو خاضع لكل نقد علمي
في عقليته ونفسيته وآدابه وتاريخه ككل أمة أخرى
فالقول الذي يمثله الرأي الخاص لا يستحق مناقشة ولا جدلا
كذلك يخطىء الشعوبية أصحاب القول الأول الذين كانوا يتطلبون
من العرب فلسفة كفلسفة اليونان وقانونا كقانون للرومان
أو أن يمهروا في الصناعات كصناعة الديباج أو في المخترعات
كالاصطرلاب فإنه إن كان يقارن هذه الأمم بالعرب في جاهليتها
كانت مقارنة خطا لأن المقارنة إنما تصح بين أمم في طور
واحد من الحصارة لا بين أمة متبدية وأخرى متحضرة
ومثل هذه المقارنة كمقارنة بين عقل في طفولته
وعقل في كهولته كل أمة من هذه الأمم كالفرس والروم
مرت بدور بداوة لم يكن لها فيه فلسفة ولا مخترعات.
أما إن كان يقارن العرب بعد حضارتها فقد كان لها قانون
وكان لها علم وان كان قليلا
وأكتفي بهذا القدر
وجميع المؤرخين المذكورة اسمائهم
أتفقوا بأن السبب الرئيسي لحال الدول العربية اليوم
سواء حكومه أو شعب للامتيازهم بهذي العقلية العربية
ويمكن كلامهم صحيح و وجهة نظر صادقة !!
مع تحيات السامود